مجموعة مؤلفين

193

الكتاب التذكاري ( محيي الدين بن عربي في الذكرى المئوية الثامنة )

فإنّ العقل لا يقبل إلا ما علمه بديهة أو ما أعطاه الفكر وقد بطل إدراك الفكر له ، فقد بطل إدراك العقل له من طريق الفكر . ولكن مما هو عقل محض إنما حده أن يعقل ويضبط ما حصل عنده ، فقد يهبه الحق المعرفة به فيعقلها ، لأنه عقل لا من طريق الفكر ، وهذا ما لا نمنعه فإن هذه المعرفة التي يهبها الحق تعالى لمن يشاء من عباده لا يستقل العقل بإدراكها ولكنه يقبلها « 1 » . من هذه النصوص يتبين الباحث أن هذا الإمام العالم قد أحاط بتلك النظرية العميقة التي قررها ديكارت بعد ذلك بخمسة قرون والتي رفعه الباحثون المحدثون بسببها إلى الأوج ، وهي أن العقل مؤلف من قوتين دنيا ، وهي التي تعتمد على الحس أو على الخيال . وعليا ، وهي التي تعقل المجردات لذاتها دون أدنى افتقار إلى الصور المنتزعة من المحسنات ، والتي هي مأتى المفاهيم الجزئية ، وأن القوة الدنيا لا تدرك الإله البتة . بينما أن العليا تستطيع أن تتعقله ، وأن توقن بوجوده ووحدانيته وكماله المطلق . وهو يمعن في إيضاح هذه النظرية على صورة لا تدع أدنى مجال للريب في ثقافته الواسعة وتبحره في الفلسفة بأنواعها إذ يقول : « لما كان نفس الأمر يقتضى أن تكون مراتب المعقولات من الممكنات ثلاثا : مرتبة للمعاني المجردة عن المواد وهي التي من شأنها أن تدرك بالعقول بطريق البداهة والأدلة . ومرتبة من شأنها أن تدرك بالحواس ، وهي المحسوسات . ومرتبة من شأنها أن تدرك بالعقل والحواس وهي المتخيلات ، وهي تشكل المعاني في الصور المحسوسة التي تصورها القوة المصورة الخادمة للعقل يقتضى ذلك أمر يسمى الطبيعة فيما ينشأ من الأجسام الإنسانية والجنية . فلما شاء اللّه أن يوضح للمكلفين من عباده أسباب سعادتهم على ألسنة رسله من البشر إليهم بوساطة الروح العلوي المنزل بذلك على قلوب بعض البشر

--> ( 1 ) ص 94 من الجزء الأول من الفتوحات .